الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
131
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الرحمة لأجل هدايتك وإنقاذك ، وكذلك لهداية وإنقاذ العالم البشري ، وهذه الرحمة - في الواقع - مكملة لرحمة الخلق . إن الله الذي خلق البشر بمقتضى رحمته الخاصة والعامة ، وألبسهم لباس الوجود الذي هو أفضل الألبسة ، هو نفسه الذي بعث إليهم قادة واعين معصومين وحريصين رؤوفين . . ذوي استقامة وقدرة لهداية الناس ، لأن من مقتضيات رحمة الله أن لا تخلو الأرض من حجة له عز وجل . وفي نهاية الآية ولأجل تأكيد المعنى السابق جاء قوله تعالى : إن فضله كان عليك كبيرا . إن وجود القابلية لهذا الفضل في قلبك الكبير بجهادك وعبادتك من جهة ، وحاجة العباد إلى مثل قيادتك من جهة أخرى ، جعلا فضل الله عليك كبيرا للغاية فقد فتح الله أمامك أبواب العلم ، وأنبأك بأسرار هداية الإنسان ، وعصمك من الخطأ ، حتى تكون أسوة وقدرة لجميع الناس إلى نهاية هذا العالم . كما أنه ينبغي أن نشير إلى أن الجملة الاستثنائية الواردة هنا ترتبط مع الآية السابقة ، ومفهوم المستثنى والمستثنى منه هو هكذا : إذا أردنا فإننا نستطيع أن نمنع عنك هذا الوحي الذي أرسلناه لك ، إلا أننا لا نفعل ، لأن الرحمة الإلهية شملتك وتشمل جميع الناس ( 1 ) . ومن الواضح أن هذا الاستثناء لا يعني أن الله يحجب في يوم من الأيام رحمته عن نبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، بل هو دليل على أن الرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يملك شيئا من عنده ، فعلمه ووحيه السماوي هو من الله ومرتبط بمشيئته وإرادته . * * *
--> 1 - في الحقيقة إن مفهوم الجملة هو هكذا : " ولكن لا نشاء أن نذهب بالذي أوحينا إليك رحمة من ربك " .